| محمد باطما
" أشهد أن سي محمد أزجل مني".
هذا ليس مقطعا من أغنية أداها فنان ما، وليس شعارا يردده البعض منا،
بل هي جزء من شهادة الفنان المغربي الكبير الراحل" العربي باطما"، في
حق أخيه" لمشاهبي" الراحل سي محمد باطما، عضو مجموعة لمشاهب الغنائية،
في لقاء تاريخي جمعهم في برنامج تلفزيوني قدمته القناة الثانية قبل رحيلهما.
تلكم الشهادة التاريخية، ليست مجاملة أخ لأخيه، أو شهادة مدح لفنان اتجاه
فنان آخر أمام أعين الجمهور، الذي كان يتتبع تلك السهرة الجميلة، بل
هي شهادة فاه بها فنان كبير، له وزنه بين جموع الفنانين، المغاربة والعرب
بصفة عامة، شهادة محسوبة عليه تاريخيا اتجاه"هرم"من أهرمات الفن المغربي،
وكلمة حق اتجاه فنانا، لم يمنح المكانة اللائقة به في هذا البلد السعيد..
شهادة كانت بمثابة آنذاك، إشارة للمسؤولين على المجال
الفني، للإلتفات نحو هذا الإنسان الذي ضحى من أجل سمو الكلمة " الملتزمة"
ولم يرضخ لعنف الوقت وغرائبه، مع أنه كان بإمكانه أن يكون مثل الكثيرين
من الفنانين الذين استغلوا الفرصة واغتنوا..
فكيف يعقل لهذا الفنان الكبير في آخر أيامه، أن يشعر بالتعب و الضياع،
وهو يتأبط أوراق مسرحية"عقبة وحدورة"حينما صار يبحث مع رفيق دربه الفنان
محمد السوسدي عن ممول للمسرحية، التي كانت مجموعة " لمشاهب" تنوي تمثيلها،
وبعد ما أعلنتها في عدة مناسبات ووعدت بها الجمهور، ولا يجد من يحتضن
مشروعه الثقافي، الذي يتجسد في مسرحية لا نعرف أين مصيرها ؟
وكيف يعقل أن يقام له تكريما في حياته، لم يزده سوى حسرة وألما، بحيث
فتن عليه الدائنون،
ظنا بهم أن هذا التكريم نال منه مبلغا مهما والعكس صحيح، ولم يشفع له
فنه وتاريخه لديهم..؟!
انسلت سيوف التخلي من غمدها، وصارت بسنها تخدش جسم سي محمد باطمامن دون
شفقة أو رحمة.. سيوف نهلت من إنسانيته وشهامته المعهودان فيه وهمشته،
وألقت به في مقاهي وشوارع مدينة الدار البيضاء، يتحسر على هذا الزمن
المغربي..
فسي محمد باطما غنى للحياة بكل معانيها المستفزة، وأحبها بكل تناقضاتها
منذ بداياته الفنية، المفعمة بالمغامرات والحكايات الجميلة، التي عشق
من خلالها الغربة.
فبدويته أشرت عليه بطابع ميزه عن كل الفنانين، خصوصا بين أعضاء مجموعةلمشاهب،
فقد كتب وغنى لكل رموز الحياة التي تأثر بها في البادية، وهو لازال هناك
صغيرا، مما انعكس ذلك على حياته الفنية فيما بعد.. فهاهو يكتب عن" الشجرة
"التي غنتها مجموعة" مسناوة، بحيث تقول الأغنية " شجرتنا علات.. علات
أتفرعات..الخ..."
و"الشجرة" عند سي محمد باطما هي عنوان الارتباط بالأرض والخير، وعشق
لبساطة العيش الذي يتجلى في حياة البادية..
وفي رد سريع على ما كتبه عن شجرة مجموعة مسناوة - وهذا ما اعتبر انقلابا
جوهريا في شخصيته – ينفي سي محمد مع مجموعة لمشاهب هذا الخير وهذه البساطة
في هذه الأرض، التي يدل عليها في صيحته المعبرة و المغناة:" ما بقات
شجرة..الخ.."
ويبقى حدس الفنان قوته المستوحاة من هبة الله التي يمنحه
إياه، و المجسدة في تنبئه لما
وتأتي وفاة الأخ الأكبر" الفنان لعربي باطما"، حيث تعد
بنسبه له صدمة هزت مشاعره، ليعترف ومرة أخرى من خلال الأغاني، وهي التعبير
الوحيد الذي يتوفر لديه في مثل هذه الحالات الصعبة، بأن الدنيا فعلا
خذلته وهزمته، وجعلت منه إنسانا يحس بالغربة، الضياع والوحدة، بحيث يقول
في أغنية "حزينة يا دنيا"صدرها في شريط حمل أغاني جميلة، كأغنية " زن
زن يا نحل" و أغنية " كرة يا أرض".
وللإشارة فآخر ما كتب وغنى الفنان المرحوم سي محمد باطما،
أغنية " الفرصة" التي تعتبر إعلانا واضحا أن الوقت قد حان للرحيل، ليستريح
من هذه الدنيا التي لا تنصف، و التي لا يمكن للإنسان أن يؤمن لها مهما
يكن، فهو في هذه الأغنية يسائل قلبه متى سيرسى.. ؟ وفي أي مرسى سيرسى..؟
مخاطبا إياه أن هذه فرصة لا تعوض، وربما كان- وهو المعروف بحدسه القوي
كفنان لما سيأتي- يعني بكلمة الفرصة(الموت)الذي هو بمثابة مرسى سيرسى
عليها قلبه ( ذاته)، ثم يرتاح إلى الأبد، ويقول في أغنية"الفرصة":
نوصيك يا كلبي
لاتفتحش اليوم بابك
بعدما هجروك صحابك
بعدما هجروك حبابك
أسهال تعذابك..
متى ترسى يا كلبي
توجد مرسى يا كلبي
هذي فرصة
ولا ضيع هاش ثاني ياه..
سيظل المرحوم سي محمد باطما شهابا، أنار سماء الفن المغربي بصوته وكلماته،
وسيظل رمزا من رموز الأغنية لمشاهبية، مهما طال ظلام التعتيم على حياته
الحافلة بالمغامرات، التي تستحيل على أي كائن إستعابها، وهذه الخاصية
تنطبق على أفراد مجموعة " لمشاهب" التي ينتظر الجميع إنصافها" باعتبارها
المجموعة الوحيدة التي غنت أمام الملوك، ولم يسمح لها كبريائها أن تمد
يدها لهم كما فعل الكثيرون من الفنانين، ساعية إلى كسب امتيازات، مستغلة
الموقف والحدث.. ولم يفعلوا.. لا لشيء سوى أنهم فنانون حقيقيين، مرتبطين
بهموم الشعب التي غنوا لها بصدق موسوم بالنزاهة .والحلم سجلها التاريخ
في سجل أفراد مجموعة " لمشاهب" ولا زال يسجل |